رفع رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ السقف في خطابه الأخير، إلى حدٍّ بدا معه أن العلاقة مع رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ دخلت مجددًا في مرحلة توتر سياسي، وهو ما أثار استغرابًا في ​بعبدا​ ومحيط القصر الجمهوري، بحسب مصادر متابعة، خصوصًا أن زيارة بري الأخيرة إلى بعبدا، بعد لقاء عون بالرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، كانت قد كسرت حالة الجليد التي حكمت العلاقة بين الرجلين، وأعادت التواصل بينهما إلى شيء من طبيعته.

لكن بحسب المصادر، المشكلة لم تكن في خطاب بري في حد ذاته، بقدر ما كانت في القراءة التي رافقت زيارته إلى بعبدا، وتحديدًا في الاعتقاد بأنه قد يكون أعطى موافقته على المسار الذي اختارته السلطة ال​لبنان​ية في ​التفاوض​ المباشر مع ​إسرائيل​، وأنه بات عمليًا داعمًا لهذا المسار.

هذه القراءة، وفق المصادر، لم تكن صحيحة. فبري، حين زار بعبدا، كان يملك معطيات نقلت إليه من رئاسة الجمهورية حول زيارة عون إلى ​واشنطن​، وكان واضحًا لديه أن الرئاسة الأولى تتوقع أن تحمل الزيارة نتائج إيجابية للبنان، وأن هذه النتائج ستتجلى في الجولة السابعة من التفاوض في ​روما​. ولم تتوقف المعطيات عند هذا الحد، إذ كان ثمة انطباع أيضًا بأن زيارة عون إلى إيطاليا ستُنتج تقدمًا في ملف المناطق التجريبية، وفي مسألة التزام إسرائيل بهذه الترتيبات، بما يسمح بالانتقال إلى مرحلة جديدة من مسار التفاوض. لكن كل ذلك سقط مجددًا.

من هنا يجب فهم التصعيد الأخير لبري؛ فالمسألة بالنسبة إلى رئيس المجلس لم تعد مرتبطة بجولة واحدة، بل بسلسلة طويلة من الوعود التي لم تجد طريقها إلى التطبيق. كل مرة كان ثمة أمل بخطوة أميركية، أو ضمانة دولية، أو التزام إسرائيلي، ثم ينتهي الأمر إلى النتيجة ذاتها.

وتشير المصادر عبر "النشرة" إلى أن هذا الأمر أعاد ترسيخ قناعة بري التي عبّر عنها منذ بداية العهد أمام رئيس الجمهورية، وهي أن المشكلة ليست في أن يتفاوض لبنان أو لا يتفاوض، وإنما في أن يدخل في مسار لا يملك فيه عناصر القوة والضمانات التي تسمح له بتحويل التفاهمات إلى وقائع على الأرض.

بمعنى آخر، بري يريد أن يكون ما يُبحث على الطاولة ملزمًا لإسرائيل وقابلًا للتطبيق على الأرض لأجل البناء عليه. وهنا تحديدًا بات الخلاف بين عون وبري أكثر وضوحًا، لأن الأوليتعامل مع التفاوض باعتباره فرصة يجب عدم تفويتها، في محاولة للاستفادة من الدور الأميركي والدولي لإنتاج تهدئة وترتيبات جديدة على الحدود، فيما يزداد اقتناع الثاني بأن المشكلة تكمن في طبيعة الضمانات المرافقة لأي تفاوض، وفي قدرة الجانب اللبناني على انتزاع أثمان سياسية وأمنية واضحة مقابل كل خطوة يُقدم عليها.

ولذلك فإن خطاب بري الأخير هو في جانب منه رسالة إلى إسرائيل بأن لبنان لن يعتبر التفاوض بديلًا عن حقوقه، ورسالة إلى الأميركيين بأن الضغط على لبنان لا يمكن أن يتحول إلى صيغة تفاوضية من طرف واحد، ورسالة إلى الداخل اللبناني بأن الذهاب إلى التفاوض لا يعني أن كل ما ينتج عنه يصبح مقبولًا تلقائيًا.

وتكشف المصادر أن ثمة ملفًا آخر بات أكثر حساسيةً بالنسبة إلى بري، وهو ملف حق لبنان في ملاحقة إسرائيل قضائيًا على الجرائم والاعتداءات التي ارتكبتها ولا تزال. وتشير إلى أن رئيس المجلس منزعج من التنازل عن هذا الحق، ولذلك يدفع باتجاه توثيق الجرائم والانتهاكات وعدم السماح بسقوطها من الذاكرة القانونية والسياسية، على صعيد ​حركة أمل​، فيما يشجع الجهود التي يبذلها نائب رئيس الحكومة ​طارق متري​ ووزير الثقافة ​غسان سلامة​ في هذا الإطار.

وهذا يعني أن بري يريد إبقاء ملف الجرائم الإسرائيلية قائمًا بالتوازي مع أي مسار تفاوضي، لا أن يكون أول الملفات التي يُتخلى عنها.

في المقابل، لا يبدو أن العلاقة بين بري وعون وصلت إلى مرحلة القطيعة، ولا أن الرجلين ذاهبان إلى مواجهة سياسية مفتوحة. فالاختلاف اليوم هو خلاف في قراءة المسار أكثر منه خلاف على ضرورة حماية لبنان ومنع الحرب واستعادة الاستقرار.

لكن المشكلة أن كل جولة جديدة من دون نتائج تُعمّق المسافة بين المقاربتين. فإذا كان عون لا يزال يرى أن هناك فرصة يمكن البناء عليها عبر التفاوض والاتصالات الدولية، فإن بري بات ينظر إلى التجربة من زاوية مغايرة، ويسأل: ماذا تحقق فعليًا؟ ماذا التزمت إسرائيل؟ ماذا حصل عليه لبنان؟ وما الذي تغيّر على الأرض؟ وهذه الأسئلة، بالنسبة إلى بري، باتت أهم من جميع الوعود التي سبقت الجولات الماضية.

لذلك فإن العلاقة بين رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي اليوم متواصلة لكنها غير متناغمة. ثمة تنسيق في ملفات، وحرص متبادل على عدم تفجير العلاقة، لكن في المقابل ثمة خلاف واضح حول الطريق الذي يجب أن يسلكه لبنان في المرحلة المقبلة.